الرئيسية / مقالات / «مسار» لعبد الفتاح كيليطو.. سيرة كاتب يبحث عن القارئ الجيد

«مسار» لعبد الفتاح كيليطو.. سيرة كاتب يبحث عن القارئ الجيد

«مسار» لعبد الفتاح كيليطو.. سيرة كاتب يبحث عن القارئ الجيد

عادل ضباغ*

يعد كتاب «مسار» الصادر في طبعته الأولى عام 2014 عن دار توبقال للنشر، امتدادا لكتابات عبد الفتاح كيليطو ومحطة بارزة في مشروعه النقدي. الذي ينهض على قراءة جديدة للتراث العربي وإقرائه. فـ»كيليطو كاتب يقرأ، على نطاق واسع، العديد من اللغات، بخلاف آخرين. فهو كائن برمائي يعيش بالرشاقة ذاتها في العربية والفرنسية، يختار إحداهما وقتما شاء في دراساته النقدية وفي كتاباته السردية، التي لا تخلو من عمق حِكمي، والتي غالبا ما تكون مؤثرة» .

«مسار» الصّيرة (الصّيرة حظيرة من خشب وحجارة) المؤلَّف الأخير للمؤلِّف، جمع فيه حوارات أجراها على مدى 30 عاما؛ تحديدا من 1984 إلى 2014. خشي كيليطو عليها أن تتيه في غيابات النسيان، فسيّج حولها بكتاب يلمُّ شعثها ويحفظ ذكرها. هي حوارات صِحافية بالعربية وأخرى مترجمة عن لغات أجنبية، اختارها من بين حوارات كثيرة، فحذف ما تكرر منها ثم نقح وصوب ما لحقها من هفوات الخطاب الشفاهي.

في «مسار» السيرة، يحدثثنا كيليطو عن نفسه – وقلما يفعل- فقد جُبل الرجل على الصمت، لكن صمته هذا يظل صفة تلزم سطح شفتيه فقط! فلصمته ضجيج لا يسمعه إلا هو، ولكتاباته أيضا جَلَبة وصدى مدو، باختصار كيليطو تائه بين فلسفة الصمت وشهوة السؤال.

يقول كيليطو: «كنت ألعب وأنا صغير بالكتب والأوراق. أتذكر أنني كنت أُرغِم جدتي على أن تخيط الأوراق وتصنع لي كتبا. وكانت – رحمها الله- تساير جنوني، فتنشئ لي ما أطلب (يضحك). هذا هو الصبا: أن تخيط لك جدتك كتبا مادتها أوراق مبعثرة». كما أن «حبي للقراءة تزامن مع اكتشافي للرسوم المصورة: Miki le Ranger, Blek le Roc, Roddy, Double-Rhum, le professeur Occultis، أصدقاء كبار وسيظلون دائما بالنسبة إلى أبناء جيلنا، الذين كانت من حظهم معرفتهم. الرسوم المصورة إذن، ثم في يوم ما وبشكل طبيعي وغير معلن، انتقلت إلى قراءة الروايات، ولربما أول رواية قرأتها كانت آخر الموهيكان لفينمور كوبرّ» .

هي ذي الإرهاصات الأولى للطفل عبد الفتاح مع عالم الورق، بيد أن محاورة الكتاب ليست بيسرِ مداعبة الوريقات؛ ذلك «أن مشكلة الطفل تتلخص في هذا التحدي: هل أستطيع أن أقرأ كتابا؟ هذا يظهر لنا بَدهيا، ولكن ما يحدث شبيه بما يقع في السباحة: فأنت تتعلم السباحة، في يوم من الأيام، أو لا تتعلمها مطلقا. كذلك ركوب الدراجة. الشيء نفسه بالنسبة للقراءة، فأحيانا تيأس وتقول: لن أستطيع أن أكون قارئاً. وفعلا كنت أحاول أن أقرأ بعض الكتب، لكنني لا أفهم شيئا، ثم ذات يوم، فُكّتْ عقدتي واستطعت أن أقرأ» .

على أعتاب «مسار»

يطرح العنوان الذي اختاره كيليطو لمؤلفه «مسار» أسئلة عديدة منها: هل الكتاب محطة تأملية في كل الكتابات السابقة ومواضيعها؟ أم أن «مسار» تلخيص جامع لمجمل ما جاءت به الكتابات؟ أم يمكننا أن نفترض أن «مسار» كلمة ختامية لمسار كيليطو النقدي؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون جمعا لحوارات صِحافية، خشي صاحبها أن تضيع في شارع النسيان.
تستوقفنا – كذلك- اللوحة التي جُعلت على غلاف الكتاب، فهي عمل فني للفنان أرشيمبولدو. تضم مجموعة كتب قديمة رصّت بشكل أفقي ومائل، تتخلّلها وريقات وخيطان تؤشر لمسيرة قارئ. قاعدتها كتب كبيرة الحجم، أغلفتها من الجلد، يعلوها جميعا كتاب مفتوح في مواجهة السماء. نتأمل اللوحة قليلا، فنجد أنها تشكل وجه إنسان حي، ندقق النظر في ملامح الوجه، نجده يشبه عبد الفتاح كيليطو، بنظارته ولحيته المميزة!
اللوحة رسالة تلخص مسار كيليطو، الذي تستند قراءاته وتتأسس على مضان تراثنا العربي القديم، تليها قراءات جانبية من الثقافات المجاورة للحدود العربية، لتكون أسمى قراءة لديه تلك المفتوحة على فضاء التأويل، التي اتخذت من السماء حدّاً لها وسقفا.

كيف نقرأ كيليطو؟

لكل كاتب أسلوب كتابة، ولكل قارئ أسلوب قراءة، والكتابة الجيدة دليل على القراءة الجيدة. ولعل الانطباع الأول الذي يرتسم على محيّا من يقرأ كتابا لعبد الفتاح كيليطو للمرة الأولى، أن يقول: إن للكاتب أسلوب كتابة ساحراً!
– قلت: كيف ذلك؟
– قال: لا أدري مصدر السحر، أفي بساطة اللغة أم جزالتها؟ ألأنه يجعل من التفصيل العادي بطلا؟ أم يلفت نظرنا إلى أشياء نعيشها أو نعيش معها كل لحظة ولا ندري مغزاها؟ يزيح عن أعيننا غشاوة السطحية والألفة، يكشف عن جوهر المعنى الغائب في متاهات القول.

حينها سألنا كيليطو عن اللغة التي يكتب بها، هل تسعفه معرفته باللغتين العربية والفرنسية في قول ما يريد، من دون أن تطغى إحداهما على الأخرى أو تفرط عليها؟

يجيبنا بأن جل كتبه كانت تحت الطلب الأكاديمي أو للمحاضرة، ثم تتطور الفكرة لتصير كتابا. فاختيار لغة الكتابة يكون تابعا للغة المحاضرة. بيد أن سيرورة الكتاب وتطوره في ما بعد، قد يفرض تغير اللغة؛ فقد «كان من المفترض أن يصدر «حصان نيتشه» بالعربية. احتفظت بمسوَّدة له بهذه اللغة، مختلفة عن النص النهائي، لماذا تحوّلتُ إلى الفرنسية؟ للتخلص -لا ريب- من الحُبسة، كنت ربما لن أنهيه لو لم أكن انقلبت نحو الفرنسية».

كيليطو.. رجل هادئ كاللحظة التي تسبق العاصفة، صمته بحر يعبُّ مدادا كثيراً وعلامات تعجب! حتى إذا نطق أدهش متلقيه؛ فـ»المطلوب من الناقد أن يباغت ويزعج، وأن يأتي النص والقارئ من حيث لا يحتسبان». ينفث صاحبنا من أنفاسه النقدية في النص القديم، يصهره على نار السؤال، يقلبه بين كفّيه يمنة ويسرة، فيخرج لنا من حفنة رملِ النصوص زجاجا لامعا، تجحظُ عينا من رآه عجبا.

كيليطو.. ناقد نسّاج يجمع في تحليله للنصوص بين المعرفة العميقة بالثقافة العربية القديمة والإحاطة بالثقافة الحديثة ومناهجها النقدية.. يقرأ النصوص و»يستنطق الصورة التي استطاعت أن ترتسم لدينا عن الأدب الكلاسيكي، بل وعن الأدب أيا كان، فتفرض مجموعة من المفاهيم التي ألفنا استعمالها وأصبحت من بداهاتنا، بحيث يبدو السؤال حولها أمرا غريبا»، يقلب النص بين أنامله كما الصائغ في دكاكين المدينة القديمة، حين تقدم إليه قطعة ذهب ذهب الزمان ببريقها وغشاها غبار الدرس.

كيليطو.. نحات يكشف لقارئه عن أجسام بديعة وأشكال مدهشة من بطون الصخر، بل هو إلى عالم الآثار أقرب، فمادته الأولية المضان العربية القديمة، يُعمل جهده في إزالة أتربة الألفة عن النصوص، ليكشف عن ألغازها وأسرار كتابها، يقبل على أرض النصوص العتيقة، التي أيقن الناس أنها «أرض ميتة»، حتى إذا نضح عليها ماء القراءة والتأويل، اهتزت ورَبت وأنبتت معاني كثيرة ورؤى، ثم يستدعي القارئ في ألفة ليخوضا عالم الغرابة، يستصحبه في متاهات البحث والتنقيب، عن الكنز المدفون في دهاليز سطور وحروف تراثنا العربي القديم. لا غرو أن دراساته «بمثابة مدخل لنقد أدبي جديد يأخذ على عاتقه التراث العربي وكذلك النظريات الحديثة المتصلة بموضوعة الكتابة» .

كيليطو.. قارئ يعالج سكرات السؤال نهاره كلَّه، حتى إذا وضع أُذْنه على وسادته ليستريح قليلا، سمع بالأخرى أصوات أرواح الأسلاف (الجاحظ والمعري وابن المقفع وشهرزاد… وغيرهم) يستصرخونه من غياباتهم، أن قم لتجليَ عنا ضيم القراءات السطحية، وإغراض المغرضين والمتأولين، وهاك بعضا من أسرارنا.
يقول كيليطو: «عندما أشرع في دراسة كاتب قديم أمر بفترة حيرة ويأس، لأنني لا أدري كيف أعالج عالمه، فأعيد قراءته مرات وأحاول أن أتقمص شخصيته، وأن أفكر كما كان يفكر. ومع مرور الوقت يحدث نوع من التعاطف، ثم أشعر بأنه يخفي عني شيئا ويومئ لي بوجوده في الوقت نفسه. وبشعوري أن هناك سرا ما فإن انتباهي يستيقظ فأظل أبحث إلى أن أعثر على علامة أنطلق منها، وبالتدريج أربطها بأخرى إلى أن تتسق شبكة العلامات وتنتظم تحت عنوان يرمز إليها، مثلا «السمكة» عند أبي العبر، الحية عند الحريري، الجوزة عند ابن المقفع…» .

يحدثنا كيليطو عن المبدعين، يستحثنا لنحذو حذوهم، لنقف عند لطائف القول وجوهره. نمثل هنا لمشهد جميل صوره للقاء بديع بين عمر الخيام وشيخه أبي العلاء. فـ»ذات مساء، أو ربما في بهاء ليلة خانقة من ليالي فارس، نظم عمر الخيام بيته المشهور:

فَامْشِ الهُوَيْنا إِنَّ هذا الثَّرى
مِنْ أَعيُنٍ ساحِرَةِ الإِحوِرار

نظمه ودوّنه، ثم شخص ببصره بعيدا جهة الشام، وبالضبط جهة معرة النعمان، بلدة لم يكن لينتبه إلى وجودها هو ولا غيره لو لم ينبغ فيها أبو العلاء. كان الخيام يعلم أن هذا البيت يكاد يكون ترجمة حرفية لبيت المعري:

خَفّفِ الوَطْء ما أظُنّ أدِيمَ ال
أرْضِ إلاّ مِنْ هَذِهِ الأجْسادِ

[…] بمقتضى أي كيمياء تحولت الأجساد إلى عيون؟ أي آماق خطرت ببال عمر الخيام وأمدت بيته بالطرافة وأضفت عليه مسحة الابتكار؟

في لحظة ما تبين لي، وعلى حين غرة وبشيء من الذهول، أنه كان يستحضر عيني المعري الذي فقد البصر وهو في سن الرابعة؛ تبين لي أن الخيام نظر إلى العالم وأنشأ شعره بعيني أبي العلاء. لقد حذا حذوه ومشى على أثره ووطئ بلطف جسده المسجى، مع الإيماء إلى العينين الغائبتين. إنها طريقة خفية وطريفة لتحيته والثناء عليه: بفاصل قرن من الزمن، وفيما وراء المعنى الحرفي المباشر، يؤكد بيت الخيام على الدين والامتنان وعرفان الجميل».

في غمرة انتشاء القارئ بلذة النص وافتتانه بالقراءة وافتخاره بكاتبه، نجد كيليطو يتبرأ من صفته؛ يعرب عن ذلك قائلا: «أجد تحفظا أن أعتبر نفسي كاتبا، فما يطبع إنتاجي هو الندرة، يرتكز عملي أساسا على محاولات نقدية (essais). عدا هذا، فإن حلم الكتابة لم يفارقني قطّ، ربما منذ أن تعلّمت القراءة».

«مسار».. بحثا عن القارئ النموذجي

«أن تجد قارئا جيدا أصعب من أن تجد كاتبا جيدا»، بهذه العبارة لبورخيس، استهل عبد الفتاح كيليطو شهادته في الدورة الأخيرة من معرض الكتاب في الدارالبيضاء لحظة توقيع الكتاب، لم كل هذا التركيز على مسألة القراءة؟ وكيف للواحد منا أن يصير قارئا جيداً؟ «تتحدث بعض الحكايات عن فتاة جميلة حَكمت عليها ساحرة شريرة بالنوم لمدة مئة سنة. فاستغرقت في سبات عميق وبقيت على هذه الحالة إلى أن أتى (فارس الأحلام) ذات يوم فانحنى عليها وقبلها فاستيقظت واستقبلت الحياة من جديد.

يبدو لي أن المؤلفات القديمة توجد اليوم في وضعية شبيهة بوضعية الفتاة النائمة، فهناك من يحسبها ميتة فيبتعد عنها ويمضي لا يلوي على شيء. وهناك من يقترب منها على أطراف قدميه مخافة أن يوقظها، فيكتفي بتأمّلها. وهناك من يقترب منها بقرع الطبول فتستيقظ مذعورة ثم تعود توّاً إلى نوم أعمق من النوم الأول. وهناك أخيرا من يقترب منها بود وعطف فيلمسها برفق ويقاوم نزوعها إلى النّوم بلطف، وعندما تفتح عينيها يأخذ بيدها ويساعدها على التكيف مع عالمها الجديد».

يحدثنا كيليطو عن سيرته كقارئ، فيقول مرشدا وناصحا من بَعده من القراء: «ماذا يحدث عندما أفتح كتابا: هل أقوم بقراءته أم يقوم هو بقراءتي؟ ليس الأدب كتلة جامدة، شيئا مفصولا عنا ومعروضا أمامنا، نبصره بالعين المجردة. لابد من التوجه إليه بكل كيانك، بمقروئك، بكيان زمنك وثقافة عصرك…» .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • كاتب من المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *